عبد الملك الجويني
349
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومن أصحابنا من قال : لو رأى الإمامُ الصفحَ والسعي في الإصلاح ، فعل ، كما يفعل في الأمور العامة . وهذا الوجه أعوص ( 1 ) من الأول ؛ فإن مقدار التعزير إلى الإمام ، والتغليظ بالقول من التعزير ، ونحن لا نعتقد تصوّر صورة لا يرى الإمام فيها [ رأيه ] ( 2 ) ؛ فإن من أساء أدبه بالجهات التي ذكرناها لا نسكت عنه ، ولا نُكره على مقابلة ( 3 ) سوء أدبه . فيؤول هذا إلى أن الإمام لو أراد الاقتصار من التعزير على كلامٍ ، فهل له ذلك ؟ ومما يتعلّق بهذا أن المُؤْذَى بالتعريض أو التصريح لو عفا ( 4 ) ورأى الإمام أن يؤدبه ( 5 ) حقاً لله تعالى ؛ حتى لا يستجرىء على أمثال ما صدر منه ؟ فهذا فيه تردّدٌ نجمعه إلى آخر ، وهو أن من استحق الحدّ أو استحق القصاص لو عفا عن حقه ، فهل للإمام أن يعزره بما يراه استصلاحاً ؟ فيه تردّد . وإذا ضممنا صور التعزير إلى صور الحدود ، انتظم منها أوجه : أحدها - أن الإمام لا يضرب إذا عفا صاحب الحق . والثاني - له أن يعزر نظراً إلى الصلاح الكلي . والثالث - أنه لا يعزر في مقام الحدّ إذا عفا مستحِقُّه ؛ لأنه غير مفوّض إلى اجتهاد الإمام إذا طلب ؛ فلا يفوّض إليه الأمر إذا عفا المستحِق ، والتعزيرات في قاعدتها مفوضة قدراً ومحلاً إلى اجتهاد الإمام . هذا مقدار ما أردناه في ذلك ، وفي المبالغ المرعية في التعزيرات كلام للأصحاب يأتي في الباب ، إن شاء الله .
--> ( 1 ) كذا . ولعلها : أفقه من الأول . ( 2 ) مكان كلمة تعذرت قراءتها ، فقد رسمت هكذا : ( توصحا ) بدون نقط . ( 3 ) مقابلة : أي لقاء ، وهي هنا بمعنى مباشرة ومعاناة سوء أدبه . ( 4 ) المعنى : لو عفا من وقع عليه الإيذاء بقذفٍ يستدعي تعزيراً لا حدّاً كما صوره . ( 5 ) يشير إلى الصورة التي فرضها آنفاً ، وهي : لو أن شخصاً عرّض بقذف محصن ، أو صرح بقذف من ليس بمحصن ، أو كرر القذف بزنى حُدّ فيه ، ففي هذه الحالات يكون التعزير حقاً للمقذوف ، فلو عفا المقذوف ، فهل للإمام أن يؤدب في هذه الحالة ؟ هذا معنى العبارة التي نحن فيها .